العز بن عبد السلام
20
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
( ق 5 - أ ) قدر الأعمال / والأحوال ، وكذلك رتب الإلهامات والكرامات والدرجات الأخروات ، ومهما تفاوت العباد في هذه الأسباب والصفات ؛ فإن اتحد حسن الصفات كان المتصف بأكثرها أفضل من المتصف بأقلها ، فأشد الرجلين خوفا أو توكلا ، أو مهابة أو محبة أشرف من الآخر ، فإن اختلفت هذه الأوصاف كان التفضيل بأشرفها قدرا ، وأجلها فائدة ، فالهائب أفضل من المحب ، والمحب أفضل من المتوكل ، والمتوكل أفضل من الخائف ، والمصلي أفضل من المتوضئ ، والغازي أفضل من الحاج ، والمفترض أفضل من المتنفل ، وكذلك سائر القربات . فائدة : المعرفة حاثة على جميع الطاعات ، والأوصاف الجبلية حاثة على بعض الطاعات ، فإذا اجتمع الحثان على فعل أكد ودام ، فبذل العارف السخي ، وغيرة العارف الغيور ، ورأفة العارف الرؤوف ؛ آكد وأتم من بذل غيره وغيرته ورأفته ، لأن طبعه ومعرفته يحثان على ذلك ويدعوان إليه ، وكذلك إحجام الحيي العارف عن القبائح ، فإن معرفته وحياؤه يدعّانه عن كل قبيح ويمنعانه منه ، ولذلك قال عليه السّلام : " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، خيارهم في الجاهلية ، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " " 1 " ؛ لأن طباعهم وفقههم وإيمانهم حواث على الأخلاق السنية . فصل في كيفية إثمار المعرف للأحوال وما يترتب عليها اعلم أن معرفة الذات والصفات مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة ، ومعرفة كل صفة من الصفات يثمر حالا عليه أثر ، وأقوالا سنية وأفعالا رضية ، ومراتب دنيوية ودرجات أخروية ، فمثل معرفة الذات والصفات كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها وهو معرفة الذات ثابِتٌ بالحجة والبرهان وَفَرْعُها وهو معرفة الصفات فِي السَّماءِ مجدا وشرفا تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ من الأحوال والأقوال والأعمال بِإِذْنِ رَبِّها وهو ( ق 5 - ب ) خالقها ؛ إذ لا يحصل شيء من ثمارها إلا / بإذنه وتوفيقه ، منبت هذه الشجرة القلب الذي إذا صلح بالمعرفة والأحوال صلح الجسد كله ، أما في الحال فبالأقوال والأعمال ، وأما في المآل فبنعيم الجنان ورضوان ذي الجلال ، وإذا فسد البغي والضلال فسد الجسم
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3496 ) ، ومسلم ( 2638 ) عن أبي هريرة مرفوعا .